محمد المختار ولد أباه
155
تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب
ج ) موقفه من القراءات : لقد رأينا أن علماء النحو اعتمدوا القرآن ، مادة لعلمهم ، واستشهدوا بمئات الآيات ، ومنهم من صرح بأن القراءة سنة وأن ما صح منها ، من أي طريق ، يعتبر أساسا للوجه الصحيح في اللغة . لكن بعضهم وقف من هذه القراءات موقف المجتهد المصوّب ، فإذا لم تكن القراءة تعبر عن القواعد التي استنبطها من اللغة يصرح بأنها لحن ، ولو كانت من القراءات السبع المتواترة عن الأمة بالإجماع ، أو القراءات العشر المتواترة عند القراء . وكان بعض نحاة البصرة من بين الذي نصّبوا أنفسهم مهيمنين على تصويب القراء أو تخطئتهم . واشتهر أبو عثمان المازني بهذا الموقف ، وتبعه المبرد الذي سمح لنفسه أن يرفض بعض القراءات السبعية ، مثل قراءة حمزة في الآيتين الكريمتين : وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ( إبراهيم - الآية 22 ) « 1 » بكسر الياء ، وقوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ ( النساء - الآية 1 ) بكسر الميم « 2 » . وادّعى أن قراءة ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ ( الكهف - الآية 25 ) خطأ غير جائز في الكلام وإنما يجوز في الضرورة « 3 » ، كما نمى للخطأ من قرأ « آيات » بالنصب في قوله تعالى : وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 5 ) ( الجاثية ) « 4 » . ومن الغريب أن ينسب المبرد إلى أهل المدينة قراءة شاذة في قوله تعالى : هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ « 5 » ( هود - الآية 78 ) « بفتح الراء والمعروف أن
--> ( 1 ) المقتضب ، ج 5 ص 2 . ( 2 ) المقتضب ، ج 3 ص 453 . ( 3 ) المقتضب ، ج 2 ص 171 . ( 4 ) المقتضب ، ج 4 ص 195 . ( 5 ) المقتضب ، ج 4 ص 103 .